ابن قيم الجوزية

149

الروح

الجنة لزمهم من ذلك أن تكون أرواح سادات الصحابة كأبي بكر الصديق وأبي بن كعب وعبد اللّه بن مسعود وأبي الدرداء وحذيفة بن اليمان وأشباههم رضي اللّه عنهم ليست في الجنة ، وأرواح شهداء زماننا في الجنة ، وهذا معلوم البطلان ضرورة . فإن قيل : فإذا كان هذا حكما لا يختص بالشهداء فما الموجب لتخصيصهم بالذكر في هذه النصوص ؟ قلت : التنبيه على فضل الشهادة وعلو درجتها ، وإن هذا مضمون لأهلها ولا بد وأن لهم منه أوفر نصيب ، فنصيبهم من هذا النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فراشهم ، وإن كان الميت على فراشه أعلى درجة منهم فله نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه . ويدل على هذا أن اللّه سبحانه جعل أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ، فإنهم لما بذلوا أنفسهم للّه حتى أتلفها أعداؤه فيه أعاضهم منها في البرزخ أبدانا خيرا منها تكون فيها إلى يوم القيامة ، ويكون نعيمها بواسطة تلك الأبدان أكمل من نعيم الأرواح المجردة عنها ، ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير أو كطير ، ونسمة الشهيد في جوف طير ، وتأمل لفظ الحديثين فإنه قال : « نسمة المؤمن طير » فهذا يعم الشهيد وغيره ثم خص الشهيد بأن قال : « وهي في جوف طير » ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير ، فصلوات اللّه وسلامه على من يصدق كلامه بعضه بعضا ، ويدل على أنه حق من عند اللّه ، وهذا الجمع أحسن من جمع أبو عمرو وترجيحة رواية من روى أرواحهم كطير خضر ، بل الروايتان حق وصواب ، فهي كطير خضر وفي أجواف طير خضر . فصل [ أرواح الشهداء ] وأما قول مجاهد : ليس هي في الجنة ، ولكن يأكلون من ثمارها ويجدون ريحها ، فقد يحتج لهذا القول بما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن إسحاق عن عاصم بن عمرو عن محمود بن لبيد عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليه رزقهم بكرة وعشية » .